الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

74

مناهل العرفان في علوم القرآن

لكان الحكم الأول ثابتا » . وقد علمت من هذا الذي ذكرناه أنه لا حاجة إلى هاتين الزيادتين ، بل هما تصريح بما علم من التعبير في التعريف بكلمة « رفع » وأما إذا انتفى الأمر الثاني ، بأن لم يكن بين الدليلين تعارض حقيقي ، فإنه لا نسخ ، لأن النسخ ضرورة لا يصار إليها إلا إذا اقتضاها التعارض الحقيقي ، دفعا للتناقض في تشريع الحكيم العليم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وحيث لا تعارض هناك على الحقيقة فلا حاجة إلى النسخ ، لأنه لا تناقض . ولا ريب أن إعمال الدليلين ولو بنوع تأويل ، خير من إعمال دليل وإهدار آخر . ولهذا حكم الغزالي في كتابه المستصفى بغلط من زعموا تعارضا وتوهموا نسخا بين قوله سبحانه : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ وبين الخبر الوارد بقبول شهادة الواحد واليمين ، معتمدين على ما ظهر لهم في الآية من أنها تدل على أنه لا حجة للحكم سوى المذكور فيها من شهادة اثنين ، مع أن هذا الظاهر لهم غير صحيح ، لأن الآية لا تدل إلا على كون الشاهدين حجة وعلى جواز الحكم بقولهما ، أما امتناع الحكم بحجة أخرى كما فهموا ، فلا تدل الآية عليه حتى يكون تعارض بينها وبين الخبر المذكور ، بل هو كالحكم بالإقرار . وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود حجة أخرى . ( ثانيتها ) أن التعريف المذكور يفيد أن النسخ لا يتوجه إلا إلى الحكم وهو كذلك في الواقع ونفس الأمر ، وتقسيمهم النسخ إلى نسخ تلاوة ونسخ حكم تقسيم صوري للإيضاح فحسب ، لأن ما أسموه نسخ تلاوة لم يخرج عن كونه نسخ حكم ، إذ أن نسخ تلاوة الآية لا معنى له في الحقيقة إلا نسخ حكم من أحكامها ، وهو رفع الإثابة على مجرد ترتيلها ، وصحة الصلاة بها ، ونحوهما . ( ثالثتها ) ان هذا التعريف يشمل النسخ الواقع في الكتاب وفي السنة جميعا ،